الشيخ علي المشكيني
34
رساله هاى فقهى و اصولى
وأوجز الكلام عندي قبل أن أراجع ما قاله المحقّقون في تحقيق معناه هو : أنّ الحروف بأقسامها الكثيرة وضعت للحكاية عن خصوصيّات الروابط بين المعاني الإسميّة ، بل وغير الإسميّة - كما سيأتي - وعن حالاتها وصفاتها القائمة بها ، أو لإنشاء تلك الخصوصيّات وإيجادها . توضيح ذلك على نحو الإجمال : إنّك إذا قلت : سارَ زيد من البصرة إلى الكوفة ؛ فقد ذكرت في كلامك أربعة أقسام من الأسماء وثلاثة من الحروف . أمّا الأسماء ، فالسير ، وزيد ، والبصرة ، والكوفة . وأمّا الحروف ، فهيئة الفعل الموضوعة للنسبة الصدوريّة ، وكلمة « من » الدالّة على الابتداء ، وكلمة « إلى » الدالّة على الانتهاء . وحينئذٍ فلو قلت : « زيد - سير - بصرة - كوفة » ؛ فقد تكلّمت بألفاظٍ إسميّة مستقلّة المعاني ، وكلّها ألفاظ إخطاريّة ؛ أي تستقلّ بإخطار معانيها وإحضارها في الذهن . وإذا قلت : « النسبة - الابتداء - الانتهاء » ؛ قد تلفّظت بألفاظ مستقلّة أخرى ، لها معانٍ مستقلّة لا يرتبط ؛ بعضها ببعض ، كما أنّ السير لو لم يكن واقعاً في الخارج ، لما كان له ارتباط بالبصرة والكوفة ؛ فإذا تحقّق السير في الخارج ، فقد تخصّص بخصوصيّات هي من لوازم وجوده ؛ فإنّ الشيء إذا لم يتخصّص ، لم يوجد . وتلك الخصوصيّات أمور غير استقلاليّة قائمة بالغير ؛ فإذا أردتَ إيصال المعاني الخارجيّة إلى ذهن السامع بعين الكيفيّة الخارجيّة المتخصّصة بصفات وحالات وهي انتساب السير بزيد بنحو الصدور ، وارتباطه بالبصرة بنحو الشروع منها ، وبالكوفة بنحو الانتهاء إليها - فلو جئت بالألفاظ السبعة بأيّ ترتيب شئت ، كقولك : سير ، ابتداء ، زيد ، انتهاء ، نسبة ، بصرة ، كوفة ؛ لم تؤدّ المعنى المراد كما وقع في الخارج . وإذا قلت : سار زيد من البصرة إلى الكوفة ؛ حكيتَ بتلك الألفاظ عن الخصوصيّات الموجودة بعينها بتعدّد الدالّ والمدلول . فعلم من ذلك أنّ الحروف المذكورة هي التي تحكي عن حالات المعاني الإسميّة والمعاني القائمة بالغير . وهذا معنى حكايتها عن أحوال الغير . ثمّ إنّه قد انتزع من تلك